حسن الأمين
328
مستدركات أعيان الشيعة
واعشق في الدوح الطيور لأنها بصوتك في الدوح الطيور صوادح على كل روض من صباك مشابه وفي كل حسن من سناك ملامح أبثك في التيم البعيد خواطري وأشكو تباريح الهوى وأطارح وأهوى على التيم البعيد لو أنني إليك مع الركب المغذين رائح تكاد بوادي التيم من لوعة الأسى تغالب عيني الدموع السوافح تطول ليالينا على التيم أنها ليال بأوقار الهموم روازح وما كان وادي التيم في النفس زاهرا ولكنه في النفس أسود كالح شعاب حباها الله خير محاسن ولكنها عند المشوق مقابح تطل على الوادي الثلوج نواصعا فتشرق في الوادي الذري والبطائح وتلمع في السفح الصخور كأنها دراري في سود الربى ومصابح وتمرع بالزرع السهول نضيرة وتعبق بالأطياب فيها الروائح لقد كنت قبل اليوم بالحسن شاديا ولكنني في التيم بالحسن نائح فهيهات أن تحلو لعيني ساعة مطالع حسن في القرى ومسارح ستخمد في التيم الجميل نفوسنا وتجمد عن وصف الجمال القرائح إلى مصر وكانت استقالتي في أواخر شهر شباط سنة 1945 وكانت قد بلغت أخباري أصدقاء لي في العراق فدعوني إلى الحضور إلى بغداد ، فأجبتهم ، ولكنني فضلت أن يكون ذلك في مفتتح السنة الدراسية . وكنت لم أزر مصر بعد فرأيت أن أقضي ما تبقى من شهور السنة حتى أوائل الصيف في مصر . فسافرت من دمشق في القطار إلى حيفا ، ومنها انتقلت إلى القدس فيافا ، ثم إيابا إلى حيفا . وفي تلك الرحلة أدركت حقيقة التغلغل الصهيوني في فلسطين ومقدار ما أعده اليهود من وسائل للاستيلاء عليها . كما أدركت الفوضى العربية في مقاومتهم ، والتنظيم في جهودهم وحياتهم ، فكان حزني عظيما على قطعة من وطني استحكم فيها أمر هؤلاء الغرباء الذين ينذر وجودهم بشر مستطير . . . واستأنفت السفر بالقطار من حيفا إلى القاهرة فعبر بنا صحراء سينا حتى انتهينا إلى قاهرة المعز الباذخة . وفي القاهرة آثرت العزلة والاستمتاع بمعالم المدينة ، والتغلغل في الأوساط الشعبية المصرية وما فيها من ظرف وطرافة . وكان أول الظرفاء صاحب الفندق الذي آواني لليلة واحدة ، وذلك أنني سالت قبل سفري صديقا دمشقيا أقام فترة في مصر عن فندق أنزل به فأعطاني اسم ( فندق ريش ) . فلما وصلته كان مظهره الخارجي لا بأس به ، ولكنني لما دخلته تبين لي عدم صلاحه ، ولما كنت متعبا بعد ليلة في القطار ، رأيت قضاء ليلة فيه على أن أغادره في الصباح . فطلبت من صاحبه إعطائي غرفة بسرير واحد ، فأجاب بان لا غرفة عنده بسرير واحد . فقلت إني أستأجر السريرين معا ، فأبى ذلك متعللا بأنه إذا رفض قبول أحد زبائنه فسيذهب إلى فندق آخر يعتاد بعد ذلك عليه فيفقد هو أحد زبائنه الدائمين . فاستسلمت للأمر الواقع على أمل أن لا يأتي أحد . ولكن لم أكد أستلقي على الفراش حتى فوجئت بقادم لم يكد يغمض عينيه حتى اندفع بشخير رهيب فلم أنم طول الليل . وفي الصباح عنفت صاحب الفندق على ذلك وذهبت فحجزت غرفة في فندق الكونتيننتال وعدت إلى فندق ريش لأخذ متاعي . فسألني صاحب الفندق عن الفندق الذي سأنتقل إليه فأخبرته بأنه فندق الكونتيننتال ، وسألته أليس هو أحسن من فندقك ؟ . وهنا بدت النكتة المصرية ، فأجاب : الكنيف هناك أحسن من هنا . ثم قلت له : ثم لا يوجد هناك من يشخر . فقال : حتى لو كان يشخر ، ذا شخيرة يبقى مزيكة . وفي فندق الكونتيننتال لاحظت أن أحد المولجين بالمصعد يبدو على عكس زملائه عابسا صامتا لا يجامل الزبائن لا بإشارة ولا بكلمة . فاستغربت أمره وخطر لي أن أستطلع أحواله ، فسألته يوما أنت اسمك إيه ؟ فبدا الغضب على وجهه لهذا الفضول ، ولكنه لم يستطع إلا الإجابة ، فقال بنفور : محمد . وفي صباح اليوم الثاني فاجأته قائلا بكل رقة : صباح الخير يا محمد . فلان قليلا ، وأجاب : صباح الخير . ولكن الغضب والنفور لم يفارقاه لحسبانه ذلك فضولا مغيظا . ولاحظت أنه يحمل دائما في يده جريدة أو مجلة . وكانت جرائد الصباح تصلني دائما إلى الغرفة فحملتها معي وفاجأته كما بالأمس قائلا : صباح الخير يا محمد ، خذ هذه الجرائد وأقرأها . فلان كل اللين ، وأجاب : صباح الخير . شكرا . وشعرت أن هذا الكلام صادر من أعماق قلبه . وفي الغد سبقني هو بقول : صباح الخير ، وأخذ الجرائد شاكرا . ثم صرنا صديقين حميمين وتبين لي أنه على جانب كبير من الذكاء وخفة الروح والاطلاع . وكانت نقمته وعبوسه بسبب ما يراه في الفندق الكبير من بطر وكبرياء واستعلاء وتامر ، في حين أن نصيبه من الفندق خدمة البطرين المتكبرين المستعلين المتأمرين . وكانت الحرب العالمية الثانية في أيامها الأخيرة ، وكان رئيس الوزارة المصري في ذلك الوقت أحمد ماهر . وكان محمد هذا يكرهه كرها شديدا . وفي يوم من الأيام أعلنت مصر الحرب على ألمانيا أسوة بغيرها من الدول التي أخذت تتسابق لاعلان الحرب لكي يكون لها مكان في مؤتمر السلم القادم . فاغتاظ محمد غيظا شديدا من إعلان الحرب على ألمانيا ، فسألته ولما ذا هذا الغيظ ؟ . فأجابني بهذا الجواب الحكيم الرائع : ده لا حرب دين ولا حرب وطن ، اللي يموت فيها يموت فطيس .